أبي منصور الماتريدي
46
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
وقوله عزّ وجل : وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ كانوا يستمعون إليه ليجادلوه ، على ما ذكر ، حَتَّى إِذا جاؤُكَ يُجادِلُونَكَ دل هذا أنهم كانوا يستمعون إليه للمجادلة معه والخصومة . وقيل في بعض الحكايات : إن الناس كانوا ثلاث فرق في أخبار الرسل والأنبياء - عليهم السلام - : منهم من يستمع للجمع والاستكثار . ومنهم من يستمع ليأخذ عليهم سقطاتهم وما يجري على لسانهم من الخطأ . ومنهم من يستمع ليأخذ الحق منه ويترك الباقي ، ولكن هؤلاء كانوا يستمعون إليه ليخاصموه في ذلك وليجادلوه ؛ ليعرف قومهم أنهم يستمعون إليه ، ويعرفون ما يقول ليصدوا بذلك أتباعهم . والثاني : أنهم يستمعون ويحاجون في ذلك ليعرفوا أنهم أهل حجاج وعلم ليصدوهم عنه . ثم يحتمل أن يكونوا أهل نفاق ؛ لأنهم كانوا يرون ويظهرون الموافقة لرسول الله صلّى اللّه عليه وسلم ، ويضمرون الخلاف له . ويحتمل أن يكونوا أهل الشرك ، أي : رؤساؤهم ؛ ليستمعوا إليه ، ويجادلوه فيما يستمعون إليه . وقوله - عزّ وجل - : وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً . أخبر أن على قلوبهم أكنة وفي آذانهم وقرا . وقال : صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ [ البقرة : 18 ] . نفى عنهم ذلك لما لم ينتفعوا بذلك كله ، وإن لم يكونوا - في الحقيقة - صما ، ولا بكما ، ولا ما ذكر ، لما لم ينتفعوا بما أنشأ فيهم من السمع والبصر والعقل ، فنفى عنهم ذلك . ثم قوله تعالى : وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً . لا يخلو إضافة ذلك إلى نفسه من أن يكون خلق منهم فعل الكفر ، أو خلق الظلمة التي في قلوبهم ، يعني ظلمة الكفر ؛ لأن ظلمة الكفر تستر وتغطي كل شيء ، ونور الإيمان ينير منه كل شيء ، فإضافة الفعل إليه لا تخلو من أحد هذين الوجهين ، إما لخلق فعل الكفر منهم ، ففيه دلالة خلق أفعالهم ، وإما لخلق ظلمة الكفر في قلوبهم . وفيه ردّ قول المعتزلة لإنكارهم خلق فعل العباد « 1 » .
--> ( 1 ) وهي مسألة معروفة بخلق أفعال العباد ، مسألة الجبر والاختيار من المسائل التي نوقشت بشدة بين مفكري الإسلام الذين انقسموا فيها إلى فرق شتى ، واختلفوا تبعا لفهم كل منهم لها ، فمن قائل -